انتقل إلى المحتوى
المال

طبقات الفساد الست

يتسرّب المال العام في العراق من ست نقاط. فالنفط يُؤخذ قبل بيعه، ومبالغ بين حساب نيويورك والبنك المركزي لا يفصّلها أي سجل منشور، والدولار يُباع بأقل من سعر السوق في نافذة بيع العملة، والأموال تُستنزف داخل الموازنة، والمواطن يُطالَب بمبالغ عند الشبّاك، وتنتقل أراضي الدولة وأصولها إلى القطاع الخاص عبر إجازات الاستثمار. وتختلف الطبقات في طريقتها وفي نوع الدليل الذي تتركه. وتعرض هذه الصفحة الطبقات الست بالترتيب الذي يسلكه المال، مع الوثائق التي تثبت كلاً منها.

  1. قبل التصدير
  2. بين بيع النفط والبنك المركزي
  3. نافذة بيع العملة
  4. داخل الموازنة
  5. ما يلقاه المواطن كل يوم
  6. أراضي الدولة وأصولها
الطبقة الأولى

قبل التصدير

نفط ووقود يُؤخذان من الأنابيب والحقول والمصافي والموانئ قبل أن يُسجَّل أي بيع.

تقع الخسارة الأولى قبل بيع النفط، فالنفط يمرّ بالأنابيب والخزانات والمصافي والأرصفة، ويمكن في كل نقطة تسليم أن تُسجَّل كمية أقل من الكمية الحقيقية. ومن يتحكم في عدّاد أو نقطة تحميل يستطيع أن يسجّل كمية أقل مما نُقل وأن يبيع الفرق.

وتتكرر في السجل الموثق ثلاث طرق. الأولى ثقب الأنابيب وسحب الديزل وزيت الوقود لبيعهما في السوق السوداء أو تهريبهما عبر الحدود. والثانية العدّادات: رُكّبت عدّادات التصدير في ميناء البصرة النفطي من تموز 2008 وفي خور العمية من كانون الثاني 2011، لكن الثغرة بقيت عند الآبار والخزانات والمصافي. والثالثة والأكبر تجارة زيت الوقود المدعوم، الذي يُشترى بسعر محلي زهيد ثم يُخلط ويُعاد تصديره شحنةً تجارية.

ولا يُحتسب الرقم الأكبر في هذه الطبقة سرقةً. فنفط إقليم كردستان الذي بيع خارج الخزينة الاتحادية، وتتراوح قيمته بين 71 مليار دولار و97 مليار دولار من 2014 إلى 2025، كان موضع نزاع قانوني حسمه قرار المحكمة الاتحادية العليا في 2022 وحكمُ تحكيم دولي في 2023. لذلك نعرضه في سطر مستقل ولا نضيفه إلى الخسارة.

الطبقة الثانية

بين بيع النفط والبنك المركزي

حساب نيويورك: الأموال التي دخلته وخرجت منه، والمبالغ التي لا يفسّرها أي سجل منشور.

يُباع النفط العراقي بالدولار وتُدفع أثمانه في حساب لدى بنك الاحتياطي الفدرالي في نيويورك. ولم يصمّم العراق هذا الترتيب: فقرار مجلس الأمن 1483 لسنة 2003 أنشأ صندوق تنمية العراق ووضع عائدات النفط تحت تصرف سلطة الائتلاف المؤقتة.

وفي سنوات الاحتلال وقعت أوضح الخسائر الموثقة: أموال عراقية صُرفت دون ضوابط كافية، وشحنات نقدية نُقلت جواً إلى بغداد. وبعد 2011 بقي الحساب ونُقل إلى وزارة المالية، يدخله ثمن النفط ويخرج منه ما تبيعه الوزارة للبنك المركزي وما تصرفه مباشرةً بالدولار.

وتُظهر القوائم المدققة أين ذهب أغلب هذا المال، أي إلى استيرادات الدولة والديون وتعويضات الكويت. أما الثغرات فتكمن في ما لم يُسجَّل ولم تجرِ مطابقته، وفي عدم نشر أي تدقيق للحساب منذ 2019.

الطبقة الثالثة

نافذة بيع العملة

دولارات تُباع كل يوم بأقل من سعر السوق، للمصارف وشركات الصرافة.

يبيع البنك المركزي الدولار للمصارف وشركات الصرافة كل يوم عمل بسعر يحدده هو، وسعر السوق أعلى منه في الغالب. فمن يحصل على الدولار بالسعر الرسمي يملك في اللحظة نفسها شيئاً قيمته أكبر مما دفع، ويكفيه أن يبيع الدولار في السوق ليحصل على الفرق.

لذلك فإن المسألة الأساسية هي من يصل إلى النافذة. ولا يستطيع المصرف أن يطلب الدولار إلا لغرض معلن، كفاتورة استيراد أو اعتماد مستندي. وهذه المستندات هي موضع الضعف، إذ يمكن أن تُقدَّم فاتورة مضخّمة أو مكررة، أو أن تُذكر بضاعة لا تُشحن. ويُظهر سجل البنك المركزي نفسه المصارف التي منعها والطلبات التي رفضها، ومن الأسباب التي دوّنتها لجنته: فاتورة مكررة، والزبون نفسه في أكثر من مصرف، وزبون مخالف لتعليمات مكافحة غسل الأموال. ما رفضه البنك المركزي.

وهي الطبقة الوحيدة التي يمكن قياسها من سجلات الدولة نفسها، يوماً بيوم ومصرفاً مصرفاً، وهذا ما تفعله هذه الموسوعة.

الطبقة الرابعة

داخل الموازنة

رواتب تُصرف لأسماء لا تؤدي عملاً، وعقود مضخّمة الكلفة، وأموال تُسحب من حسابات الدولة.

حين تُباع دولارات النفط للبنك المركزي وتتحوّل إلى دنانير، يدخل المال موازنةً تتنافس عليها الأحزاب، فالوزارات تُوزَّع على الأحزاب بحسب ثقلها في مجلس النواب، وتضمّ كل وزارة رواتب ومشتريات وإجازات ودوائر تابعة.

وأبسط صور هذا التسرّب الرواتب، إذ يتقاضى اسمٌ راتباً دون أن يؤدي عملاً. وأكبرها العقود. وتصف تقارير ديوان الرقابة المالية الاتحادي والقضايا المعروضة في هذا الموقع مشاريع دُفعت أثمانها ولم تُنجز، أو أُنجزت بأقل من المواصفات المتفق عليها. ومن هذا الباب أيضاً سحب الأموال من حسابات الدولة نفسها، كما في قضية الأمانات الضريبية التي يسمّيها مسؤولون عراقيون والصحافة «سرقة القرن».

كثير من الأرقام في هذه الطبقة تقديرات لمسؤولين وليست قياسات، ونعرضها على هذا الأساس، مع مستوى الدليل لكل منها. أما القضايا التي صدرت فيها أحكام فموثقة بأسماء أصحابها ووضعهم القانوني.

الطبقة الخامسة

ما يلقاه المواطن كل يوم

المبلغ الذي يُطلب من المواطن عند الشبّاك مقابل خدمة هي من حقه أصلاً.

يعرف العراقيون هذه الطبقة من تعاملهم اليومي، ومنها الرشوة في المستشفيات وعند المنافذ الحدودية. وهي مبالغ صغيرة قياساً بالطبقات السابقة، لكنها الطبقة الوحيدة التي يواجهها المواطن مباشرة.

وقد وضعناها في نهاية مسار المال لأنها الطبقة التي يلقاها المواطن بنفسه. ويقيس المسح المذكور إلى جانب هذا النص مدى انتشارها.

الطبقة السادسة

أراضي الدولة وأصولها

أراضٍ عامة ومصانع وامتيازات تنتقل إلى القطاع الخاص عبر إجازات الاستثمار.

الطبقة السادسة لا تمرّ بالدولار. فهي انتقال أراضي الدولة ومصانعها وامتيازاتها إلى القطاع الخاص عبر إجازات الاستثمار. تمنح الدولة الأرض أو الامتياز لمستثمر بالشروط التي يحددها قانون الاستثمار، فيبني ويبيع أو يستغل، ويبقى العائد في يده.

وتمرّ هذه الطبقة بثلاث نوافذ حكومية: الهيئة الوطنية للاستثمار وهيئات الاستثمار في المحافظات، والمجلس الأعلى للاستثمار والتنمية، ووزارة الصناعة والمعادن والمديرية العامة للتنمية الصناعية. ونوثّق طريقة عمل كل نافذة، والجهات التي حصلت على الإجازات، وما وجدته جهات الرقابة. وورود إجازة في السجل توثيق لها، وليس اتهاماً لصاحبها.